الأستاذ الدّكتور نزار فيصل دندش – لغة الجماد ولغة الكون الشاملة

هل هناك لغة للجماد ؟
هل هناك لغة موحدة لكل الكائنات؟
ما هي لغة الكون الذي نعيش فيه؟
– نعم ! للجمادِ لغاتٌ …وبعض الناطقين جمادُ!
دعونا أولاً نتذكر تعريف الجماد وتعريف النطق واللغة أو المقصود بهما.
– المواد الجامدة هي المواد التي لا نحسبها في عداد الأجسام الحية بل نحسبها موجودات، أو مواد أولية ولا نصنفها في عداد الكائنات التي تحيا أو تتمتع بالحياة.
الكائن الحي هو نظام متكامل، من أهم ميزاته النمو والتكاثر والتطور. فلو تركنا قطعة من الحديد في مكان ما وتفحصناها من حين إلى حين لوجدناها محافظة على شكلها ووزنها وخصائصها (باستثناء ما قد يتكون على سطحها من صدأ). قطعة الحديد هذه لا تنمو ولا تتكاثر فهي ليست كائنًا حيًّا.
ومن علامات الحياة الحركة، فالآدميون يتحركون، وكذلك تفعل الحيوانات والنباتات، كل على طريقته، فكم من زهرة تفتحت في النهار ثم تجمعت في المساء، وكم من زهرة توجهت صوب الشمس وغيّرت وجهتها على امتداد النهار.
ومن علامات الحياة أن يتلقى الجسم الحي غذاءه من الطبيعة فيحوّل جزءًا منه إلى طاقة ويضيف الجزء الآخر إلى كتلته فيزداد وزنًا. ومع الغذاء تلتقط الكائنات الحية النور والإشعاعات الأخرى فتحولها إلى طاقة.
ومعظم الكائنات الحية التي تعيش على كوكب الأرض تستعين بالأوكسجين في عملية الأكسدة، ويطلق على العملية في معظم الأحيان اسم عملية التنفّس.
ومن علامات الحياة المهمة تفاعل الكائن الحي مع محيطه، ويتخذ هذا التفاعل أشكالاً مختلفة منها تبادل المواد، أي الجزيئات الداخلة في المركبات الكيميائية، ومنها التأثير المتبادل الميكانيكي وغير الميكانيكي وصولاً إلى التفاعل مع الإشعاعات، ومنها تبادل الأحاسيس، وهو مستوى راقٍ من التفاعل.
هذه الخصائص والنشاطات لا تتم بالوتيرة نفسها في المراحل العمرية المختلفة فأغلبها يتميز بالسرعة في الأعمار المبكرة، بخاصة عملية النمو.
ولا بد من التنويه أيضًا بأن هذه العلامات تخص نموذج الحياة المعروفة على كوكب الأرض، وقد يكون لأشكال الحياة خصائصها المختلفة وعلاماتها الفارقة الأخرى إذا ما وجدت على كواكب أخرى.
وبالعودة إلى سؤالنا الأول هل ينطق الجماد؟ رأيت أن أتناول موضوعًا مكملاً آخر تمهيدًا للإجابة عن السؤال.
نحن نعرف أن الإنسان يتواصل مع محيطه القريب ومع أجزاء بعيدة من الكون، فكيف يتم هذا التواصل؟
الكل يعرف أنه كان يتم عبر العينين وعبر الجلد (وعبر السمع والنطق في أثناء التعاطي مع الإنسان ومع الحيوانات القريبة). كان ذلك قبل اختراع الأدوات المتطورة في المختبرات وفي المراصد الفلكية.
الجلد يتلقى الأشعة ويتفاعل مع بعض أنواعها. أما العين فهي الجهاز اللاقط القوي جدًّا في معيار الرؤية. وبواسطة العين المجردة لا نستطيع رؤية ما يدور حولنا وتمييز ألوانه وحسب، بل يمكننا أن نرى النجوم البعيدة جدًّا بالإضافة إلى الكواكب التي تدور حول الشمس، وذلك بواسطة الأضواء التي تصلنا من هذه النجوم. فالعين، إذًا، هي الجهاز اللاقط، والضوء هو الإشارة المحمّلة بالمعلومات.
إذا سألنا الفيزياء عن ماهية الضوء فما عساها أن تجيب؟ – ستقول إنّ الضوء موجات كهرومغناطيسية ذات أطوال مختلفة. والعين تلتقط الموجات التي تتراوح أطوالها بين البنفسجي والأحمر.
العين جهاز لاقط قوي، فهي ترى النجوم التي تبعد عنا ملايين ملايين الكيلومترات وتميز بين ألوان الضوء في مساحة طيف ليس بالبسيط.
دعونا نتساءل الآن لماذا تختلف ألوان الضوء؟ ومن أين تأتي الأضواء الطبيعية؟ وكيف نحدد أنواع العناصر الموجودة في الشمس أو في الأجرام السماوية الأخرى؟
الضوء عبارة عن فوتونات، لكل واحد منها طاقة معينة، وهو عبارة عن موجات كهرومغناطيسية، لكل موجة طولٌ وذبذبة، وتبعًا لهذه الأطوال وهذه الذبذبات تنتج الألوان.
الفوتونات (الأضواء) تصدر عن الذرات. وقد أثبت العلم أن ذرات العناصر المختلفة تُصدر فوتونات مختلفة من حيث الطاقة وأطوال الموجات، فلكل عنصر طيفٌ شعاعي مختلف عن أطياف ذرات العناصر الأخرى، وهو بمثابة بصمته المميزة عن بقية البصمات. وتبعًا لنوعية الإشعاعات التي تصلنا من النجوم وغيرها نحدد نوعية الذرات التي تُصدر هذه الإشعاعات.
العناصر الأولية، الذرات، الجسيمات، والجزيئات كلها تُصدر الإشعاعات… أفلا يخطر ببالنا أن تكون الإشعاعات لغة هذا الكون؟ وهي لغة مشتركة بين الأحياء والجماد، ينطق بها كل جسم مؤلف من ذرات، وكل جسم في هذا الكون مؤلف من ذرات!
الذرات موجودات لا عواطف لها ولا مشاعر ولا أحاسيس بحسب ثقافتنا ومفاهيمنا التي تراكمت على مرّ التاريخ، وأريد أن أذكر هنا أن الميكروسكوب الفعّال قد أظهر أن الذرات لا تطوف فرادى في الوسط الذي تتحرك فيه، بل تتحرك أزواجًا، أي أن كل ذرة تتحرك إلى جانب ذرة أخرى. وهناك ميزات لا شك في أن تكون كثيرة لم نتعرف إليها بعد.
ما أريد المغامرة بقوله هنا هو أننا لو وضعنا تعريفًا جديدًا للحياة لا ينحصر بصفات من نسميهم الكائنات الحية لوجدنا الدلائل على وجود ملامح حياة في كل ذرة. لكن هل يسمح لنا مستوانا الحضاري والثقافي أن نخوض هذه التجربة؟ وهل سيقتنع بها الكثيرون؟ أو هل سيتمكن الكثيرون من تطويع ذهنهم الثقافي لكي يتقبّل كل جديد إذا كان الجديد مختلفًا عما اعتادت عليه أذهاننا أو معاكسًا له؟ ويجب ألا ننسى أن البشر قد اعتادوا على توارث ثقافتهم عن الأقدمين وعلى توزيعها على الأقربين وأيضًا على الأبعدين.
منذ نطق الإنسان في بداية التاريخ بدأ رحلة استعمال الموجات الصوتية (وهي موجات ميكانيكية) في التعامل. ثم راح يطوّر هذا النوع من التواصل، علمًا بأن كائنات أخرى على كوكبنا تتواصل بطرق مختلفة وتستعمل موجات أخرى في تواصلها، وحتى في بحثها عن غذائها أو عن طرائدها، وفي استكشاف أعدائها.
ومع تطور الفيزياء توسّع الإنسان في استعمال لغة التواصل اللاسلكي المعتمد على الموجات الكهرومغناطيسية، أي أنه راح يتوسع في استعمال ما سوف أسميها اللغة الكونية المشتركة بين الأحياء والجماد.
أرسل الإنسان سفنه إلى الفضاء وتواصل معها لاسلكيًا بواسطة الموجات الكهرومغناطيسية. ووجه تلسكوباته إلى السماء القريبة وإلى الفضاء البعيد، فالتقط الكثير من الإشارات الواصلة من البعيد. ولأنه صار متضلعًا في اللغة الكونية فقد قرأ سيرتها وحدد تركيبة الكثير من الأجرام السماوية وفهم الكثير عن تاريخها.
واستنطق الإنسان الصخور القديمة التي وجدها على سطح الأرض أو تحت التراب، فعرف الكثير عن تاريخ الأرض الجيولوجي، والبيولوجي أيضًا ولغة هذه الصخور إشعاعاتها أي الذرات والإلكترونات التي تدور حولها في حركة دائمة، لكنها وعلى الرغم من ازدحامها لا تتصادم إلا في ظروف قاهرة تنتقل فيها المادة من حالة إلى حالة. والنجوم أيضًا لا تتصادم في العادة، باستثناء الثقوب السوداء التي تلتهم كل نجم يقترب منها لتحوله إلى مادة بالغة الخصوصية.
هل تنسّق الذرات فيما بينها؟ هل تستعمل لغة خاصة للتفاهم؟ أوليست لغات الإشعاعات والطاقة والموجات هي لغات للتواصل؟!
– لأنني أؤمن بالتشابه بين الكائنات الحية التي تمثل أفرادًا في مجتمعاتها، وبين الذرات التي تمثل وحدات في هذا الكون، فإنني أفترض أن الذرات تتواصل فيما بينها، بلغاتها الخاصة. وإذا ما تم التواصل فالتنسيق يصبح واردًا.
هل تُغيّر الكواكب مداراتها؟ وهل يمكننا الافتراض بأن الأرض كانت مكان المريخ، مثلاً، وأن المريخ كان في مكان كوكب آخر؟ هل حدثت انفجارات أو حدثت اصطدامات غيّرت مسارات بعض الكواكب.
– أنا ميّال إلى الإجابة بنعم عن كل هذه الأسئلة. فلو قارنّا المجموعة الشمسية بذرة تكون فيها الشمس نواة والكواكب إلكترونات واسترجعنا من ذاكرتنا ما نعرفه عن تصرفات الإلكترونات لأمكننا رسم ما يلي:
عندما يقترب الإلكترون من النواة يبث إشعاعات بأطوال موجات تتناسب مع مسافة الاقتراب. وإذا أراد الابتعاد عن هذه النواة فلن يستطيع إلا إذا تلقى طاقة من الخارج، ويحتاج إلى طاقة أكبر لكي يتفلّت من الجذب الكهربائي للنواة. وعندما كنت أشرح هذه الفكرة لطلابي في الجامعة كنت أشبّه الإلكترون بالسجين الذي يتوجب عليه دفع فدية مقابل إطلاق سراحه.
وبالعودة إلى كوكب الأرض وإلى بقية الكواكب، فإن الشبه موجود بينها وبين إلكترونات الذرة، فالكوكب يجب أن يحافظ على سرعة معينة في أثناء دورانه حول الشمس، فإذا خفّت سرعته سقط نحوها، وإذا زادت سرعته ابتعد عن مساره الأصلي. وهو لن يكون في مسار ثابت إلا إذا كان حاصل ضرب مربع سرعته بالمسافة التي تفصله عن الشمس ثابتة ومساوية لثابت الجاذبية مضروبًا بكتلة الشمس.
وما أكثر العوامل التي قد تشكل سببًا لتباطؤ هذا الكوكب أو لزيادة سرعة ذاك .
نعم للكون لغة مشتركة بين كل موجوداته، هناك من يشعر ببعضها وهناك من لا يعرف شيئًا عنها وهناك من يستعملها في أجهزة التواصل من دون أن يفكر في الأمر وهناك من يخاصمك اذا تحدثت عنها … لكنها موجودة.
ملخص السيرة الذاتية –
الأستاذ الدكتور نزار فيصل دندش
- أستاذ جامعي برتبة بروفسور ، حاصل على دكتوراه في الفيزياء والرياضيات وحضّر لأطروحة دكتوراه بالمراسلة في فلسفة العلوم .
- دَرَسَ الفيزياء في موسكو .
- درّس الفيزياء وعلم الفلك وعلم البيئة في الجامعة اللبنانية في كليتي العلوم والاعلام في بيروت وفي طرابلس .
- هاجر إلى أستراليا فدرّس الفيزياء والرياضيات في جامعة نيوساوث ويلز وجامعة سدني وجامعة التكنولوجيا .
- عاد إلى بيروت أستاذًا في ملاك الجامعة اللبنانية .
- روائي، شاعر، ناشط بيئي وخبير في الشؤون البيئية وأنواع التلوث.
- منشوراته : أصدر حتى اليوم تسعةً وستين كتابًا في مجالات مختلفة
- في الفيزياء ( كتب جامعية + سيرة التفكير العلمي)
- في الشعر ( ستة دواوين ).
- في الرواية ( أربع عشرة رواية).
- في البيئة وفلسفتها ( ستة كتب ).
- في الثقافة ( أصدر كتابين ).
- في تعليم الشطرنج أصدر كتابًا واحدًا.
- له عشرات المقالات وعشرات المقابلات في الإعلام المرئي والمسموع نقلتها محطات عربية وأخرى محلية في لبنان وفي أستراليا.
- له عشرات المقالات الصحفية، بالإضافة إلى نشاطه المتواصل على صفحات التواصل الاجتماعي .
- شارك في مؤتمرات علمية عالمية عديدة في مجال النظرية النسبية.
- نشر مقالات علمية متعددة في مجلات علمية محكمة .
- ناشط اجتماعي يرأس منتدى ” ليل وحكي ” الأدبي – الشعري في بيروت.
- يرأس جمعيات اجتماعية وبيئية متعددة، منها: رابطة الأساتذة الجامعيين لحماية البيئة .
- منسّق لجنة الرواية في اتحاد الكتاب اللبنانيين ونسّق مؤتمرًا للرواية اللبنانية.
- شارك في عشرات الندوات وقدّم عشرات القراءات النقدية في الرواية والشعر .
- شارك في مهرجانات شعرية وأسهم في تنظيم أمسيات ولقاءات أدبية .
- لغاتٌ يجيدها : الإنجليزية، الروسية والفرنسية، بالإضافة إلى اللغة العربية الأم.
Enter
Nizar