تفلّت الأنظمة وأثرها على التعليم في لبنان – أ. هويدا خالد مصطفى

 

تفلّت الأنظمة وأثرها على التعليم في لبنان – أ. هويدا خالد مصطفى

 

شهد لبنان منذ عام 2019 انهيارًا اقتصاديًا حادًا كان له دور رئيس في تفلّت الأنظمة، حيث أدى ذلك إلى تدهور المؤسسات العامة، وتفاقم الفساد، وانهيار الخدمات الأساسية، وذلك نظرًا إلى الدور الحيوي للاقتصاد في إرساء الاستقرار والأمان الاجتماعيين.  وقد انعكس هذا التفلّت بشكل أساسي على قطاع التعليم، فكيف ذلك؟

فقدان الدافعيّة لدى الطلّاب

لطالما استشهدنا بالمثل القائل: “خُيِّر سليمان بين المال والعلم، فاختار العلم، فأُوتي العلم والمال”، لكنه اليوم فقد مصداقيته أمام الواقع القاسي. ففي لبنان، كان موظفو القطاع العام، وعلى رأسهم الأساتذة، من أوائل ضحايا الانهيار الاقتصادي، إذ تحوّلت مهنة التعليم النبيلة إلى أشبه بالسخرة، فتلاشت قيمة الرواتب وتآكلت قدرتها على تأمين أبسط مقوّمات العيش.

وفي عصر السوشيال ميديا، لم تعد هذه الحقيقة خفية، بل باتت تُنشر على الصفحات بالأرقام والتوثيق، حتى غدا حال المعلّمين مكشوفا أمام الجميع، وأصبحت مكانة المتعلّم في أسفل درجات السلم الاجتماعي حقيقة يدركها الصغير قبل الكبير. ومن هنا، انعكس هذا الواقع المرير على الطلاب، فانهارت دوافعهم للتعلّم، بعد أن أدركوا أنّ العلم لم يعد يغني ولا يسمن من جوع. هم أبناء زمنٍ تحكمه الهرولة وراء لقمة العيش، فلا فسحة لديهم لتضييع الوقت فيما لا يعود عليهم بنفعٍ ملموس.

فقدان الثقة

تكرار الإضرابات القسريّة المتلاحقة ترك أثرًا عميقًا في نفوس الطلاب فاهتزّت ثقتهم باستمراريّة التعليم، حتّى باتوا يترقّبون توقّف الدروس  أكثر من تحصيل المعرفة، وينتظرون الإضرابات بفارغ الصبر، حتّى صار  سؤالهم اليوميّ  “هل ثمّة إضراب قريب؟

وأصبح الاجتهاد والمثابرة على العمل كلمات فقدت معناها، وحلّت محلّها آمال معلّقة على إضراب جديد، علّه ينهي العام الدّراسيّ الحالي  فيترفّعون تلقائيًّا إلى الصفّ الأعلى من دون تعب أو مجهود.

التمرُّد

شهد لبنان احتجاجات شعبيّة واسعة عام 2019،، حيث خرج الآلاف من اللبنانيّين إلى الشوارع مطالبين بالإصلاح الاقتصاديّ والسياسي، كان لطلّاب الجامعات والمدارس بمن فيهم من هم دون الثامنة عشرة مشاركة دور بارز في المظاهرات والنزول إلى الشوارع، كان له أثر على المدارس.

فشهدت تفلتًا واضحًا في الانضباط حيث تأثرت البيئة التعليمية بشكل كبير نتيجة التدهور الاقتصادي والمشاركة الواسعة للطلاب في الاحتجاجات، هذه العوامل أدت إلى تراجع الالتزام بالقوانين المدرسية، حيث أصبح العديد من الطلاب أكثر تحديًا للسلطة داخل الصفوف، متأثرين بروح الاعتراض التي اكتسبوها من الشارع، وفي بعض الحالات، أدى هذا التفلت إلى زيادة حالات العنف المدرسي، حيث أصبح الطلاب أكثر ميلًا للتعبير عن غضبهم وإحباطهم بطرق غير تقليدية.

الفوضى

مع انهيار النظام الاقتصادي اللبناني في عام 2019، وجد العديد من الطلاب أنفسهم مضطرين إلى دخول سوق العمل لمساندة عائلاتهم في تأمين لقمة العيش. هذا الانخراط المبكر في بيئة العمل، حيث تعاملوا مع مختلف الفئات العمرية واكتسبوا خبرات حياتية خارج نطاق المدرسة، أثر بشكل كبير على سلوكهم وأخلاقهم. فبينما أسهمت هذه التجربة في نضوجهم وتحملّهم للمسؤولية، إلا أنها في الوقت نفسه أدت إلى نوع من التمرد على القوانين المدرسية التي بدأت تبدو لهم أقل أهمية مقارنة بتحديات الواقع. هذا التفاعل ما حمل تحديات تربوية جديدة أمام المؤسسات التعليمية.

فمع الشعور بالاستقلالية والتحرر من القيود التقليدية، بدأت المدارس تواجه تحديات كبيرة في ضبط الطلاب، حيث أصبح الالتزام بالقوانين المدرسية أمرا ثانويا بالنسبة إلى الكثيرين. ضعف الرقابة المنزلية نتيجة الضغوط الاقتصادية، إلى جانب فقدان الطلاب للإحساس بأهمية التعليم مقارنة بالتحديات اليومية، أسهم في ارتفاع حالات الفوضى والتسيّب داخل الصفوف الدراسية. هذا الاستخفاف بقواعد المدرسة لم يقتصر على السلوكيات الفردية، بل امتد ليؤثر على البيئة التعليمية بشكل عام، مما دفع الإدارات المدرسية إلى إعادة النظر في أساليب التعامل مع الطلاب وتطبيق قوانين أكثر مرونة تتناسب مع الواقع الجديد.

الاقتتال بين الطلّاب

يشهد الشارع اللبناني يوميًا مشاهد من الاقتتال والتفلت الأمني، ما يترك أثرًا نفسيًا وسلوكيًا عميقًا في نفوس الطلاب. فمشاهد العنف المتكررة تُطبع في وعيهم وتصبح جزءًا من واقعهم اليومي، فيعتادون على الصراخ والشتائم واللجوء إلى العنف كوسيلة لحلّ الخلافات. هذا الانعكاس الخطير يتجلى في المدارس، حيث بات بعض الطلاب يقلّدون ما يشاهدونه، فيمارسون العدوانية بدل الحوار، ويستخفون بسلطة المدرسة كما يُستخف في الشارع بالقوانين. إن هذا الواقع لا يهدّد فقط الجو التعليمي بل يُقوّض القيم التربوية، ويجعل من المدرسة ساحة صراع بدل أن تكون بيئة آمنة للتنشئة والتعلم.

إنّ تفلّت الأنظمة على كل الصعد: المالية، الاجتماعية، الأمنية أرخى بثقله على المؤسّسات التعليميّة وخلق لها تحدِّيًا جديدًا وهو إعادة البيئة المدرسيّة بيئة آمنة تعدّ الأجيال لمواجهة الحياة.

ولكن يبقى التحدي الأكبر هو كيف سنعيد بناء مفهوم الالتزام والانضباط داخل المدارس، من دون فقدان التواصل مع جيل يواجه ظروفا استثنائية؟

 

 أ. هويدا خالد مصطفى

-أستاذة في التعليم الثانويّ في مادّة اللغة العربيّة منذ 7سنوات

-مدرّسة في التعليم الأساسيّ لمدّة 7سنوات.

-حائزة على:

-شهادة الكفاءة اختصاص لغة عربيّة وآدابها، من الجامعة اللبنانية (كليّة التربية)

-شهادة ماجيستر بحثي في اللغة العربيّة وآدابها،مسار لغوي، من الجامعة اللبنانية..

– مدقّقة لغويّة.

– مدرّبة في  مشاريع تربوية تابعة لجمعيات لبنانية كجمعية رينيه معوض، وجمعيّة نفضة.

– كاتبة مدوّنات في مجلة منهجيات، وموقع الضاد الدولي .

– ناشرة لمشاركة في “دردشة “التي تعنى بالقضايا التعليمية في مجلة منهجيّات

– باحثة أكاديميّة.

-عضو في اللجنة التنظيميّة للمؤتمر الافتراضي الثالث لمركز الضاد  الدولي للتدقيق والتصويب تحت عنوان ” مستقبل التعليم في العالم العربي نحو استراتيجيات مبتكرة وتحوّل شامل .

-عضو في مركز الضاد الدولي للتدقيق والتصويب.

 

 

 

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *