المعلّم مدى الحياة: بوصلة التعلّم في عالم متغيّر
في زمنٍ تتسارع فيه المعارف، وتتغيّر فيه أنماط الحياة بوتيرة لا تهدأ، تبرز الحاجة إلى شخصيّة تعليميّة من نوعٍ خاص: المعلّم مدى الحياة. ليس ذلك المعلّم الذي يقف في غرفة صفّية تقليديّة ممسكًا بكتابٍ طباشيريّ فحسب، بل هو شخصيّة متجدّدة، متأملة، منفتحة على التعلّم المستمر، مرشدة لغيرها، ومُلهمة في رحلة النمو الإنسانيّ. فمن هو هذا المعلّم؟ وما الذي يميّزه عن غيره؟ وكيف يمكن أن يتحوّل إلى رمزٍ للتّغيير والبناء في مجتمعاتنا التّعليميّة؟
المعلّم مدى الحياة، هو ذلك الفرد الذي لا يتوقف عن التعلّم بمجرّد نيله لشهادة جامعيّة أو حصوله على وظيفة تعليميّة، بل يرى في كلّ لحظة فرصة للتطوّر، وفي كل تحدٍّ مدخلًا للنموّ. هو معلّم تجاوز حدود الزمان والمكان، متحرّر من فكرة أنّ “المعلّم يعرف كل شيء”، ليندمج في ثقافة “المعلّم المتعلّم”، حيث يكون التّعلّم سلوكًا يوميًا وموقفًا ذهنيًا وروحيًا مستمرًا. إنه معلم لا يكتفي بتلقين المعارف، بل يبحث عنها، ويشكّك فيها، ويعيد بناءها. يقرأ، يخضع لدورات التدريب المستمرّ، يتواصل مع مجتمعات تعلّم محليّة وعالميّة، يُجيد استخدام التكنولوجيا، ويواكب التغيّرات التربويّة والاجتماعيّة، فيصبح “نموذجًا حيًا” لما يطمح أن يكونه من يتعلّمون منه.
يتميّز المعلمّ مدى الحياة بجملة من الصفات والسلوكيّات، لعلّ أبرزها: حبّ التعلّم والفضول المعرفيّ، فهو يتحلّى بشغف لا ينطفئ تجاه المعرفة، يطرح الأسئلة، ويبحث عن إجابات، ويدرك أنّ التعلّم لا ينتهي. لا يخجل من أن يقول “لا أعلم”، بل يراها لحظة ولادة لمعرفة جديدة. المرونة والتكيّف، ففي عالمٍ تتغيّر فيه المناهج، وتتنوّع فيه حاجات المتعلّمين، يُجيد هذا المعلّم التكيّف مع كل جديد، لا يقاوم التّغيير بل يحتضنه، ويطوّع نفسه ومهاراته لخدمة مصلحة التعلّم. التأمّل في الممارسة المهنيّة، فهو يعرف جيدًا أن التّدريس ليس عملية ميكانيكيّة، بل فعلٌ عميق يتطلّب تفكّرًا مستمرًا في الممارسات، وتقييمًا ذاتيًا للمواقف الصفّية. والتأمل بالنسبة له مرآة مهنيّة يرى من خلالها ذاته، ليقوّمها ويطوّرها. والمشاركة في المجتمعات المهنيّة للتعلّم، يندمج المعلّم مدى الحياة في مجتمعات تربويّة حيّة – سواء واقعيّة أو رقميّة – يتبادل فيها الأفكار، ويتعاون مع زملائه، ويشارك في البحث التربويّ، ليصبح جزءًا من حراك معرفيّ مستدام. والقيم الإنسانيّة، فهو يتعامل مع مهنته برسالة إنسانيّة، فيُقدّر التّنوع، ويراعي الفروق الفرديّة، ويبني بيئة صفيّة قائمة على الاحترام والعدالة والرحمة. يربّي بالعقل، ويهذب بالقلب.
إن الحديث عن “المعلّم مدى الحياة” ليس ترفًا تربويًا، بل ضرورة ملحّة في ظلّ التحوّلات العميقة التي يشهدها التعلّيم في القرن الحادي والعشرين. فالعالم لم يعد بحاجة إلى معلّم ناقل للمعرفة، بل إلى معلّم يخلق المعرفة مع من يتعلّمون منه. إننا في أمسّ الحاجة إلى معلّمين يتحوّلون من منفّذين إلى مبتكرين، ومن متلقّين للخطط إلى صانعين للسياسات التعليميّة المصغّرة داخل صفوفهم. معلمين يشبهون نهرًا جاريًا لا ينضب، يروي عطش المتعلّمين للمعرفة، ويغرس فيهم حبّ التعلّم مدى الحياة. إنّ هذا النموذج من المعلّمين لا يُسهم فقط في تحسين جودة التعلّيم، بل يساهم في بناء “مدرسة متجددة”، تُعلي من قيمة الإنسان، وتتبنّى فلسفة النموّ الدائم. وفي ظل الثورة الرقميّة والذكاء الاصطناعي، تزداد أهمية هذا النوع من المعلّمين القادرين على التّعامل مع معطيات العصر من جهة، والتمسّك بجوهر التّربية من جهة أخرى، حيث يوفّقون بين التكنولوجيا والإنسانيّة، وبين المنهج والمرونة، وبين القيم والمهارات. لكي يتحوّل المعلّم إلى “متعلّم مدى الحياة”، لا بد من بيئة داعمة، وسياسات تعليميّة مشجّعة، وثقافة مدرسيّة تحفّز التعلّم والتطوّر كإعادة تصميم برامج إعداد المعلّمين لتغرس فيهم مهارات التعلّم الذاتي، والتفكّر، والتعلّم التعاوني. وتوفير فرص تطوير مهنيّ مستدام، قائمة على الاحتياجات الواقعيّة للمعلّمين، وليست فرضًا إداريًا شكليًا. وتبني منهجية “المعلّم القائد” التي تمنح المعلّمين دورًا في اتّخاذ القرار التّربوي والمبادرة داخل المدرسة. ودعم الممارسات التأمليّة، من خلال إنشاء مجتمعات تعلّم مهنيّة ومنصّات رقميّة للنقاش والتّطوير.
من خلال ما سبق، إنّ المعلّم مدى الحياة ليس مجرد ناقل للمعرفة، بل من يشعل شمعة في طريق الإنسانيّة. هو المعلّم الذي يتعلّم، يتجددّ، ويؤمن أنّ كل يوم يحمل فرصة ليكون أفضل. ولكن في عالمٍ سريع التغيّر، هل سيبقى الثابت المتجدد؟
أ. نسرين كزبور
طالبة دكتوراه
-باحثة ومدربة تربوية واستاذة لمادة الرياضيات منذ العام 2003 في التعليم الثانوي الرسمي.
-حاصلة على درجة ماجستير في العلوم التربوية-جامعة الجنان. ودبلوم في التحول الرقمي وتطبيقات الذكاء الاصطناعي-جامعة الاسطرلاب الدولية.وشهادة كفاءة تعليم ثانوي-كلية التربية-الجامعة اللبنانية. ودبلوم صعوبات تعلم من جامعة عين شمس ودبلوم في اللغة الفرنسية delf B1+B2 من المركز الثقافي الفرنسي-لبنان.وجدارة ماتريز في الرياضيات-كلية العلوم-الجامعة اللبنانية.
-فائزة بجائزة تصويت الجمهور-مسابقة المقال-أوسكار مبدعي العرب وأفريقيا.
-منظمة في مؤتمرات مركز الضاد.
-باحثة تربوية ولديها العديد من الأوراق البحثية المنشورة في مجلة الضاد الدولية للعلوم الإنسانية والاجتماعية.
-أخصائية في الإحصاء.
-لديها العديد من المنشورات في موقع منهجيات(قسم دردشة-قسم مدونة-مجلة منهجيات ).
-شاركت في مشاريع تربوية متعددة تابعة لمنظمة اليونسف من خلال جمعية الفيحاء-لبنان.
-عضو في مركز الضاد الدولي للتدقيق والتصويب
– عضو في الجمعية اللبنانية للتجديد التربوي والثقافي الخيرية.