علم التاريخ بين السرد التقليدي والتفسير الفلسفي – د. رمضان العمر

علم التاريخ بين السرد التقليدي والتفسير الفلسفي

بقلم د. رمضان العمر

مما لا شكّ فيه أن علم التاريخ علمٌ إنسانيّ يختص بدراسة الماضي الإنساني دراسةً يمكن اعتبارها علميةً أكاديميةً منهجية، وذلك من خلال البحث في الأحداث والوقائع التي عاشتها المجتمعات عبر العصور، وتحليلها، ومحاولة تفسيرها بالاعتماد على مصادر متعددة، بغية فهم تطوّر الفرد والمجتمع عبر التاريخ.

ولا بدّ من الإشارة إلى أنّ علم التاريخ لا يقتصر على استعراض الأحداث وتسجيل تواريخها وأماكن حدوثها، بل يتجاوز ذلك إلى تحليل أسبابها ونتائجها، وتوضيح العلاقات التي تربط بينها، وفهم السياقات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية المختلفة التي أفرزتها. فالتاريخ لا يدرس «ما حدث» فحسب، بل يدرس أيضًا «كيف وقع» و«لماذا وقع».

ويُعدّ علم التاريخ أداةً مهمّة لفهم الحاضر، إذ إنّ الواقع المعاش هو نتاج مسار تاريخي طويل، ولا يمكن إدراكه إدراكًا صحيحًا من دون الرجوع إلى جذوره التاريخية الأساسية. ومن خلال دراسة هذا المسار، يتيح علم التاريخ إمكانية استشراف المستقبل، عبر فهم أنماط التغيّر والتطوّر والتحوّل التي تحكم طبيعة حركة المجتمعات البشرية.

وفي المقابل، يمكن القول إنّ علم التاريخ هو علم الذاكرة الإنسانية الواعية، التي تحفظ تجارب المجتمعات وتفسّرها بعقلٍ نقديّ ناضج، بما يمنح الإنسان فهمًا أعمق لذاته ولمجتمعه ولمساره الحضاري الإنساني عبر العصور الماضية.

لقد أسهم تطوّر مراحل الفكر الإنساني في مختلف مجالات المعرفة، ولا سيّما في العلوم الطبيعية والعلوم الإنسانية وغيرها، إسهامًا بالغ الأهمية في النهوض بعلم التاريخ وتطوير منهجيته. فلم يعد التاريخ علمًا جامدًا يقتصر على جمع الوقائع وكتابة الأحداث وسردها سردًا قصصيًا زمنيًا يحدّد الإطارين المكاني والزماني فحسب، كما كان الحال في المنهجيات التقليدية، بل شهد تحوّلًا نوعيًا كبيرًا نقله إلى آفاق أوسع وأكثر تعقيدًا.

ومن ناحية أخرى، بدأ علم التاريخ يتأثّر بهذا التحوّل المعرفي، ويتجاوز حدود الوصف إلى ميدان التحليل والتفسير، فظهر ما يمكن تسميته بالتفسير الفلسفي للتاريخ. ولم يكتفِ هذا التفسير برواية ما وقع من حوادث، بل سعى إلى الإجابة عن تساؤلات من قبيل: «لماذا حدث؟» و«كيف حدث؟»، بالاستناد إلى منطقٍ عقليّ عقلانيّ يحاول الكشف عن القوانين العامة أو الأنماط التي تحكم حركة الوقائع والأحداث التاريخية.

وانطلاقًا من هذا المنهج، غدا التاريخ علمًا يبحث عن المعنى الكامن خلف الوقائع والأحداث، ويعمل على ربطها ضمن مسار متسلسل ومنظّم، يراعي الترتيب التاريخي، ويُبرز تفاعل العوامل السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية والفكرية، ويوضّح العلاقات السببية فيما بينها. فلم تعد الأحداث تُفهم بوصفها وقائع منفصلة أو مصادفات عشوائية، بل باعتبارها نتاجًا لتراكمات وشروط موضوعية تشكّلت عبر العصور.

وبناءً على ذلك، يمنحنا التفسير الفلسفي للتاريخ قدرةً أعمق على فهم الحاضر بوصفه امتدادًا منطقيًا لمسار تاريخي سابق، كما يتيح لنا استشراف المستقبل من خلال قراءة الاتجاهات العامة التي تحكم حركة المجتمعات. فالتاريخ، في صورته الحديثة، لم يعد مجرّد ذاكرة للماضي، بل غدا أداةً فكرية تساعد الإنسان على فهم واقعه وتوجيه رؤيته نحو ما يمكن أن يكون عليه المستقبل، بما يحمله من احتمالات ومسارات متعددة.

د. رمضان العمر – سوريا

  

  • دكتوراه في التاريخ الحديث والمعاصر

  • خريج الجامعة اللبنانية

  • مشارك في أكثر من عشرين مؤتمرًا دوليًا

  • له أكثر من خمسة عشر بحثًا علميًا محكّمًا

  • له أكثر من ثلاثين مقالة علمية منشورة

  • استشاري في كتابة البحوث العلمية

  • المنسّق العام لمركز الضاد الدولي للتدقيق والتصويب في سوريا (2025–2026)

  • عضو محكِّم في العديد من المجلات العلمية، منها مجلة الضاد الدولية للعلوم الإنسانية والاجتماعية

  • منسّق أنشطة وبرامج في الهيئة الدولية لعلماء التنمية البشرية

  • حاصل على عضوية الاتحاد الدولي للمؤرخين (تاريخ المنح: 2019)

  • حاصل على العديد من الشهادات الدولية في مجال التدريب

  • مدرّب معتمد في مركز الضاد الدولي للتدقيق والتصويب

  • مدرّب معتمد في الهيئة الدولية لعلماء التنمية البشرية

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *