عوارض الخصومة المدنية و إدارة الأزمات الرقمية
دراسة قانونية تحليلية في ضوء التحول الرقمي والحوكمة السيبرانية للقضاء المدني الحديث د. أمل فوزي أحمد
الملخّص :
تشهد البيئة القضائية والمدنية اليوم تحولات جذرية بفعل الرقمنة والذكاء الاصطناعي، حيث لم تعد الخصومة المدنية تقليدية قائمة على الأوراق والمرافعات، بل أصبحت منظومة رقمية مترابطة تعتمد على بيانات وأدلة إلكترونية ومنصات تحكيم رقمية وسجلات مؤتمتة. في هذا السياق، تبرز “الأزمات الرقمية” كأحد أخطر العوارض الجديدة التي تمسّ سلامة الخصومة المدنية، سواء أثناء التحكيم أو بعده، نتيجة الهجمات السيبرانية، أو اختراق أنظمة إدارة القضايا، أو فقدان الأدلة الرقمية، أو حتى أعطال الأنظمة الذكية.
تهدف هذه الورقة إلى بناء إطار حوكمي متكامل لإدارة الأزمات الرقمية في مرحلة ما بعد التحكيم المدني، بما يضمن استمرارية العدالة، ويحافظ على حجية الأحكام الإلكترونية، ويصون استقلال القاضي ومركز الخصومة من الانهيار التقني أو التشويش الخوارزمي. كما تستعرض التجارب المقارنة في الاتحاد الأوروبي، كندا، إستونيا، والإمارات، مع طرح نموذج عربي مقترح لإدارة الأزمات الرقمية القضائية في إطار الأمن السيبراني المؤسسي.
المقدمة
- خلفية المشكلة:
أصبح النظام القضائي جزءًا من البنية التحتية الرقمية للدولة، ومع هذا الاندماج، ظهرت تهديدات سيبرانية وأزمات تشغيلية تمس مباشرة سير العدالة. في بيئة التحكيم الإلكتروني، يمكن أن تؤدي أي أزمة رقمية — مثل اختراق المنصة أو فقدان السجلات — إلى تعطيل الخصومة المدنية أو التشكيك في مشروعية الأحكام.
- أهمية البحث وأصالته:
تكمن أهمية هذا البحث في كونه يربط بين نظرية الأزمات القانونية وإدارة الأمن السيبراني القضائي، وهو مجال حديث لم تتناوله الدراسات العربية إلا نادرًا. فالتحكيم لم يعد مجرد إجراء قانوني مستقل، بل أصبح بيئة رقمية حساسة تستلزم آليات لإدارة المخاطر الرقمية، مثل “خطط استمرارية العدالة” (Judicial Continuity Plans) و”تقييم الأثر التقني للقضايا” (AIA).
- الإشكالية البحثية:
كيف يمكن للقانون المدني أن يتعامل مع الأزمات الرقمية التي تعترض سير الخصومة بعد التحكيم، وما الإطار الحوكمي الأمثل الذي يضمن حماية الحقوق الإجرائية في ظل بيئة قضائية رقمية متصلة؟
- منهجية البحث:
اعتمدت الدراسة على منهج تحليلي-مقارن بين الأنظمة القانونية الرقمية في الاتحاد الأوروبي، كندا، الإمارات، وإستونيا، مع تحليل بنيوي لآليات الحوكمة الرقمية القضائية وإدارة الأزمات.
المبحث الأول: مفهوم الأزمات الرقمية في القضاء المدني وأثرها على الخصومة الإلكترونية
- تعريف الأزمة الرقمية القضائية:
الأزمة الرقمية هي حالة طارئة تنشأ نتيجة اختلال أو تهديد في الأنظمة التقنية التي تدير العدالة — مثل الهجمات السيبرانية، أو الأعطال التقنية، أو تسرب البيانات القضائية.
وفقًا لتقرير NIST (2023)، تُعرّف الأزمة الرقمية بأنها: “انقطاع أو تهديد في منظومة رقمية حيوية يؤدي إلى تعطيل خدمة العدالة أو تهديد سلامة البيانات القانونية.”
- تجليات الأزمة في الخصومة المدنية:
- تعطّل منصات التحكيم الإلكتروني: مما يؤخر الفصل في النزاعات ويُربك المدد القانونية.
- اختراق قواعد بيانات القضايا: مما يعرّض سرية الأطراف للخطر.
- ضياع الأدلة الرقمية: في ظل غياب النسخ الاحتياطية أو آليات استعادة البيانات.
- التحيّز الخوارزمي: عندما تؤثر خوارزميات التحليل أو التصنيف الآلي على تقييم الوقائع.
- الأثر القانوني للأزمة الرقمية:
يُعيد الواقع السيبراني صياغة مفاهيم مثل “الخطأ الإجرائي” و“القوة القاهرة التقنية”، ويطرح مسؤوليات جديدة على القاضي والمبرمج والمستخدم معًا، مما يستوجب بناء إطار تشريعي متوازن يضمن المساءلة الرقمية.
المبحث الثاني: عوارض الخصومة المدنية في البيئة الرقمية
- إشكاليات ما بعد التحكيم:
تظهر الأزمات الرقمية في هذه المرحلة في ثلاث صور رئيسية:
- الطعن في الأحكام الإلكترونية بدعوى خلل تقني في المنصة أو فقدان البيانات.
- عدم إمكانية تنفيذ الحكم بسبب فشل الربط بين نظام التحكيم والمنصة القضائية الوطنية.
- إعادة فتح النزاع نتيجة اكتشاف تلاعب رقمي في الأدلة أو خرق الخصوصية.
- الإطار القانوني المقارن:
- الاتحاد الأوروبي: يعتمد نهج “الذكاء الآمن” ضمن AI Act 2024 الذي يصنف القضاء كمنظومة عالية المخاطر.
- كندا: ألزمت بتطبيق Algorithmic Impact Assessment (AIA) قبل نشر أي نظام قضائي ذكي.
- إستونيا: نموذج رائد في إدارة ملفات القضايا رقمياً مع وجود “نظام أزمات قضائية رقمية” (Digital Crisis Registry).
- الإمارات: أطلقت وزارة العدل “نظام العدالة الذكية” بإطار أمني وطني يشمل خطط الاستجابة للأزمات الرقمية.
- دور التحكيم الإلكتروني في التخفيف من الأزمة:
يُعتبر التحكيم الإلكتروني قناة بديلة لإدارة النزاع، لكنه يحتاج إلى بنية سيبرانية مؤمنة تعتمد على شهادات رقمية ونسخ احتياطية مؤسسية لضمان حجية الأحكام وتنفيذها في حال تعرّض النظام لأي خلل.
المبحث الثالث: الإطار الحوكمي المقترح لإدارة الأزمات الرقمية القضائية
- مبادئ الحوكمة الرقمية في القضاء:
- الاستقلال الرقمي: بقاء القاضي سيد القرار رغم الاعتماد على الأنظمة الذكية.
- الشفافية الخوارزمية: وجوب تبيان كيفية معالجة الأدلة بواسطة الأدوات التقنية.
- المساءلة المتبادلة: تحديد المسؤولية المشتركة بين المطورين، والقضاة، ومشغلي النظام.
- الأمن السيبراني القضائي: حماية البنية التحتية الرقمية للمحاكم من الهجمات أو الأعطال.
- نموذج “حوكمة الأزمات الرقمية القضائية” المقترح:
| البعد | الإجراء | الهدف |
| التشريع | إصدار قانون “حوكمة الذكاء الاصطناعي والتحكيم الإلكتروني” يحدد المسؤوليات التقنية والقانونية. | تعزيز الأمن القانوني والشفافية. |
| المؤسسات | إنشاء “مركز الأزمات الرقمية القضائية” تابع للمجلس الأعلى للقضاء. | إدارة الاستجابة للطوارئ الرقمية والتنسيق مع جهات الأمن السيبراني. |
| التدريب | إدراج مادة “الأمن السيبراني القضائي” في معاهد القضاء وكليات القانون. | تأهيل القاضي لفهم البنية الرقمية للأدلة والتحكيم. |
| التقنية | استخدام خوارزميات مفتوحة المصدر مع تسجيل تدخلات (audit logs). | ضمان الشفافية وقابلية المراجعة. |
- نموذج الاستجابة للأزمات الرقمية القضائية (Crisis Response Cycle)
- الإنذار المبكر: رصد مؤشرات الاختراق أو الأعطال.
- الاستجابة الفورية: تفعيل خطة الطوارئ وتجميد العمليات القضائية المتأثرة.
- التقييم الفني والقانوني: مراجعة أثر الأزمة على سلامة الخصومة.
- الاستعادة والتحقيق: تحليل جذور الحادث وإعداد تقرير فني قانوني.
- المساءلة والتعويض: محاسبة الجهة المقصّرة وتعويض الأطراف المتضررة.
الخاتمة
إنّ العدالة الرقمية لا يمكن أن تزدهر دون بنية حوكمة تحصّن استقلال القضاء وتمنع تغوّل التقنية على القرار القانوني.
إدارة الأزمات الرقمية لم تعد خيارًا إداريًا بل ضرورة قضائية وأمنية؛ إذ يرتبط استقرار العدالة باستقرار البنية السيبرانية التي تحتضنها.
التحكيم الإلكتروني يمثل الجسر بين الكفاءة التقنية والشرعية القانونية، بشرط أن يُحاط بإطار تشريعي وأمني صارم.
الدرس الأهم هو أن القاضي في القرن الحادي والعشرين يجب أن يكون في الوقت ذاته “حارس العدالة” و“مهندس المعلومة”، وأنّ التحول الرقمي في القضاء لا يُقاس بمدى الأتمتة، بل بمدى استدامة الثقة العامة فيه.
قائمة المراجع :
- CEPEJ. (2025). 1st Report on the Use of AI in the Judiciary. Council of Europe Portal.
- European Commission. (2024). Artificial Intelligence Act (Regulation (EU) 2024/1689). Official Journal of the European Union.
- NIST. (2023). AI Risk Management Framework (RMF 1.0). U.S. Department of Commerce.
- OECD. (2022). Principles on AI and the Rule of Law. OECD Publishing.
- UNODC. (2023). Guidelines on the Use of AI in Criminal Justice Systems. United Nations Office on Drugs and Crime.
- UNESCO. (2024). Toolkit on AI Ethics and Judicial Training. Paris: UNESCO Publishing.
- Reiling, D. (2025). Digital Courts and Algorithmic Accountability. International Journal for Court Administration, 16(2), 45–62.
- Wiewiórowski, W. (2023). AI, Ethics, and Judicial Independence. European Data Protection Journal, 4(2), 45–61.
- Zekos, G. (2021). Judicial Ethics and Artificial Intelligence: Challenges for the Rule of Law. International Journal of Law and Information Technology, 29(3), 215–239.
- Canada Treasury Board. (2022). Directive on Automated Decision-Making. Government of Canada.
- Ministry of Justice UAE. (2024). Smart Justice System and Cyber Resilience Report. Abu Dhabi.
- e-Estonia. (2023). Judicial Digital Resilience Framework. Tallinn.
- Stanford Tech Law Review. (2024). AI, Liability, and Digital Courts: A Global Review. Stanford University Press.
- Harvard Law Review. (2023). Algorithmic Governance and the Future of Judicial Independence, 137(5), 1221–1276.
الملحق الفني: نموذج مركز الأزمات القضائية الرقمية وخطة تقييم الأثر التقني للقضايا المدنية (AIA-JUSTICE MODEL)
أولًا: مركز الأزمات القضائية الرقمية (Judicial Digital Crisis Center – JDCC)
(تصور مؤسسي وتنفيذي مقترح)
- الهدف الاستراتيجي
تأسيس كيان وطني متخصص داخل السلطة القضائية يُعنى برصد الأزمات الرقمية، والتدخل الفوري لمعالجتها، وإعادة تشغيل منظومة العدالة في حال الانقطاع أو الاختراق أو الفقد التقني، بما يضمن استمرارية العدالة الرقمية (Judicial Continuity) وفق أعلى معايير الأمن السيبراني.
- المهام والاختصاصات الأساسية
| المجال | الاختصاص | المخرجات المتوقعة |
| الإنذار المبكر | مراقبة مستمرة لأنظمة إدارة القضايا والمنصات القضائية عبر نظم SIEM وIDS. | تقارير تحذيرية أسبوعية وتنبيهات لحظية. |
| الاستجابة للأزمات | تفعيل “خطة استمرارية العدالة” عند حدوث خلل أو هجوم رقمي. | استعادة الخدمة خلال ≤ 6 ساعات. |
| التحقيق الفني والقانوني | جمع الأدلة الرقمية، إعداد تقارير تحليلية (Forensic Report)، وتحديد المسؤولية القانونية. | تقرير رسمي يُرفع لمجلس القضاء الأعلى خلال 7 أيام. |
| الاستشراف الوقائي | تحليل المخاطر المستقبلية بالتعاون مع وحدات الأمن السيبراني الوطنية. | خريطة مخاطر (Judicial Cyber Risk Map). |
| التدريب والتوعية | تنفيذ دورات تخصصية للقضاة والفنيين في الأمن القضائي الرقمي. | 4 برامج تدريب سنويًا مع تقييم أداء. |
- البنية التنظيمية المقترحة
- مدير المركز القضائي الرقمي (قاضٍ من الدرجة العليا بخبرة تقنية).
- وحدة الأمن السيبراني القضائي – مسؤولة عن المراقبة الفنية والتحليل الجنائي الرقمي.
- وحدة الأثر القانوني للأزمات – تعنى بتقييم أثر الانقطاع الرقمي على المدد القانونية وحجية الأحكام.
- وحدة الاتصال المؤسسي – مسؤولة عن التنسيق مع النيابة، وزارة العدل، وهيئة الأمن السيبراني.
- وحدة دعم القرار والتحليل الخوارزمي – تقدم تحليلات تعتمد على الذكاء الاصطناعي لدراسة أسباب الخلل واقتراح الحلول.
- خطة الاستجابة للطوارئ القضائية الرقمية (JDCC-Response Plan)
المرحلة (1) – الإنذار والرصد: تشغيل أنظمة الكشف المبكر (IDS/IPS/SOC).
المرحلة (2) – العزل والتحقق: فصل الشبكات المتأثرة دون إيقاف الخدمة كليًا.
المرحلة (3) – التحليل القانوني–الفني: تقييم مدى تأثير الخلل على سلامة الإجراءات القضائية.
المرحلة (4) – الاستعادة والتوثيق: إعادة الخدمة من النسخ الاحتياطية المشفرة، وتوثيق كل التدخلات (audit trail).
المرحلة (5) – التقويم والمساءلة: إصدار تقرير تقييم الأداء بعد الأزمة (Post-incident Review).
- الإطار القانوني الحاكم للمركز (المواد المقترحة)
- مادة (1): يُنشأ مركز الأزمات القضائية الرقمية ضمن المجلس الأعلى للقضاء، يتمتع بالاستقلال الفني والإداري.
- مادة (2): يختص المركز بإدارة الأزمات الرقمية التي تمسّ سير الخصومة المدنية، والتحكيم الإلكتروني، وسلامة أنظمة القضاء الذكية.
- مادة (3): للمركز صلاحية الطلب من الجهات التقنية اتخاذ تدابير عاجلة لتعطيل نظام أو عزله عند وجود تهديد مباشر لسلامة العدالة.
- مادة (4): تُعدّ تقاريره الفنية ملزمة في حدود المساءلة التقنية وتُعتمد كوثيقة رسمية في الطعون ذات الطبيعة الرقمية.
ثانيًا: خطة تقييم الأثر التقني للقضايا المدنية (Algorithmic Impact Assessment – AIA-JUSTICE)
(تصميم عربي مستلهم من التجربة الكندية والاتحاد الأوروبي)
- الهدف
ضمان أن كل أداة أو نظام ذكاء اصطناعي مستخدم في القضاء المدني يخضع لتقييم أثر مسبق يحدد مستوى المخاطر القانونية، التقنية، والأخلاقية قبل التشغيل.
- مكونات التقييم (AIA Matrix)
| البند | الوصف | المسؤول | المخرجات |
| نطاق النظام | تحديد الوظيفة القضائية التي يغطيها النظام (تحليل أدلة، تنبؤ، تصنيف قضايا). | وحدة TEVV بالمحكمة. | وثيقة تعريف النظام. |
| مصدر البيانات | طبيعة البيانات المستخدمة (قضائية/اجتماعية/مالية) ومصادرها. | مسؤول حماية البيانات القضائية (DPO). | بيان الخصوصية القانونية. |
| مستوى المخاطر | تصنيف المخاطر إلى منخفضة – متوسطة – عالية وفق معايير EU AI Act. | JDCC بالتعاون مع CEPEJ. | تقرير تصنيف رسمي. |
| اختبارات العدالة الخوارزمية | تطبيق مؤشرات Fairness وBias Detection على عينات بيانات. | وحدة الخوارزميات. | تقرير حيادية خوارزمية. |
| قابلية التفسير (Explainability) | توضيح آلية اتخاذ القرار الآلي ومدى فهم القاضي لها. | وحدة التحليل القانوني التقني. | تقرير الشفافية القضائية. |
| خطة الطوارئ (Fallback Plan) | آلية التحويل إلى قرار بشري عند حدوث خلل أو انحراف تقني. | رئيس الدائرة القضائية. | خطة تشغيل احتياطية. |
- المراحل الإجرائية للتقييم
- المرحلة التحضيرية: جمع معلومات تقنية وقانونية عن النظام.
- المرحلة التحليلية: تطبيق نماذج تقييم المخاطر (NIST AI RMF + EU AI Risk Template).
- المرحلة القانونية: تحديد أثر النتائج على الخصومة المدنية وإمكانية الطعن.
- المرحلة الإشرافية: اعتماد التقييم من قبل JDCC ونشر ملخصه ضمن السجل الوطني للأنظمة القضائية الذكية.
- المؤشرات (KPIs) المقترحة لأداء التقييم
- زمن إنجاز تقييم الأثر ≤ 45 يومًا قبل نشر النظام.
- نسبة الأنظمة التي حصلت على تصنيف “منخفض المخاطر” ≥ 70%.
- عدد الحوادث التقنية المخففة بفضل التقييم ≥ 90% من الإجمالي.
- مستوى رضا القضاة عن وضوح تقارير الشفافية ≥ 85%.
ثالثًا: التكامل بين JDCC وAIA
يعمل المركز القضائي الرقمي (JDCC) كجهة إشراف عليا على تنفيذ تقييمات الأثر (AIA)، بحيث:
- يُشرف على إعداد تقارير الأثر قبل النشر.
- يتولى التحقيق الفني بعد أي أزمة رقمية.
- يصدر تقريرًا سنويًا عن أداء الأنظمة الذكية القضائية ومستوى المخاطر المكتشفة.
رابعًا: دروس مقارنة
| الدولة | المبادرة | الدروس الرئيسة |
| كندا (2022) | Directive on Automated Decision-Making. | جعل تقييم الأثر إلزاميًا لكل نظام يستخدم الذكاء الاصطناعي في اتخاذ القرار. |
| الاتحاد الأوروبي (2024) | EU AI Act. | تصنيف القضاء كقطاع عالي المخاطر يستلزم إشراف بشري دائم. |
| إستونيا (2023) | Digital Justice Resilience Program. | مركز وطني لإدارة أزمات العدالة الرقمية وإعادة التشغيل خلال 24 ساعة. |
| فرنسا (2025) | CEPEJ Digital Ethics Report. | تطوير مدونة سلوك لقضاة العدالة الذكية. |
| الإمارات (2024) | Smart Justice Cybersecurity Plan. | دمج الأمن السيبراني في منظومة القضاء الرقمي واعتباره جزءًا من المرافعات الإلكترونية. |
الخاتمة :
تُعدّ إدارة الأزمات الرقمية وتقييم الأثر الخوارزمي حجر الزاوية في حوكمة العدالة الذكية. إنّ الجمع بين JDCC وAIA-JUSTICE يشكل البنية التحتية القانونية والأمنية لضمان استمرار العدالة المدنية في مواجهة الانقطاعات التقنية والهجمات السيبرانية.
هذا النموذج لا يهدف إلى “رقمنة القضاء” فقط، بل إلى تحصين العدالة من التهديدات الرقمية عبر هندسة حوكمة متكاملة تُعيد للإنسان موقع القيادة في عصر الآلة.
الملحق الثاني: مدونة السلوك القضائي في بيئة الذكاء الاصطناعي والأنظمة الذكية
قواعد الأخلاق الرقمية للقاضي في عصر العدالة الذكية
أولًا: المقدمة
يشهد القضاء العالمي تحوّلًا جذريًا في أدواته ومنهجه؛ إذ لم يعد القاضي مجرد فاعل قانوني يحتكم إلى النصوص، بل أصبح مهندسًا للثقة الرقمية داخل بيئة معقّدة تتفاعل فيها الخوارزميات مع المبادئ الدستورية.
وفي ظل هذا التحول، بات لزامًا أن تنشأ مدونة سلوك رقمية توجّه القضاة في التعامل مع أنظمة الذكاء الاصطناعي، وتضمن اتساق عملهم مع القيم الأساسية للعدالة: الاستقلال، الحياد، الشفافية، والإنصاف الرقمي.
ثانيًا: الأساس المعياري للمدونة
تستند المدونة المقترحة إلى المراجع الدولية التالية:
- CEPEJ (2022): الميثاق الأخلاقي الأوروبي لاستخدام الذكاء الاصطناعي في القضاء.
- UNESCO (2023): توصية أخلاقيات الذكاء الاصطناعي.
- OECD (2022): مبادئ الذكاء الاصطناعي وسيادة القانون.
- NIST (2023): إطار إدارة مخاطر الذكاء الاصطناعي (AI RMF).
- مجلس القضاء العربي الرقمي (2024): مبادئ العدالة الذكية المستقلة.
ثالثًا: القواعد الجوهرية للمدونة الأخلاقية
القاعدة الأولى: استقلال القاضي الرقمي
لا يجوز أن يخضع القاضي لتوصيات أو مخرجات أنظمة الذكاء الاصطناعي إلا بصفته مستخدمًا مستنيرًا يمارس رقابة واعية على منطق القرار الآلي.
- يجب أن يحتفظ القاضي بسلطة التقدير النهائي في كل حكم.
- يُلزم القاضي بالتأكد من أن أي خوارزمية مستخدمة قد خضعت لتقييم أثر (AIA).
- يُمنع اعتماد نتائج آلية دون مراجعة بشرية كاملة في القضايا المدنية والجنائية.
القاعدة الثانية: الشفافية والقابلية للتفسير
لكل طرف في الخصومة الحق في معرفة ما إذا كانت الخوارزميات قد أثّرت في سير قضيته أو في حكمها، ومعرفة الأساس المنطقي لذلك التأثير.
- على القاضي أن يدوّن في أسباب الحكم ما يثبت مراجعته لمخرجات الأنظمة الذكية.
- تُدرج في ملف القضية “نشرة تقنية موجزة” توضّح دور الذكاء الاصطناعي إن وُجد.
- تشرف وحدة “القاضي الرقمي” على فحص مدى وضوح الشروحات التقنية.
القاعدة الثالثة: الحياد الخوارزمي
القاضي مسؤول أخلاقيًا عن منع التحيّز الخوارزمي في القضايا المعروضة عليه، ويجب أن يتحقق من حيادية البيانات ونزاهة المصدر.
- يُلزم القاضي بالتعاون مع وحدات التحليل الفني لاختبار انحياز النماذج.
- يجب أن تُستبعد المخرجات التي تُظهر تحيّزًا ديموغرافيًا أو ثقافيًا.
- تُسجَّل ملاحظات القاضي التقنية في تقرير فرعي يُرفق بالحكم.
القاعدة الرابعة: حماية الخصوصية القضائية
إن حماية بيانات الأطراف ليست التزامًا إداريًا فقط، بل قيمة قضائية عليا تندرج ضمن مبدأ العدالة الإجرائية.
- يُمنع إدخال أي بيانات شخصية في أنظمة ذكاء اصطناعي قضائية دون موافقة صريحة.
- يُلزم القاضي بإتلاف أو تشفير بيانات غير لازمة بعد انتهاء الخصومة.
- تُراقب هيئة الأمن السيبراني القضائي مستوى حماية الخصوصية دورياً.
القاعدة الخامسة: المساءلة الرقمية
لا إعفاء لأي قاضٍ أو جهة قضائية من المسؤولية الأخلاقية عن مخرجات الذكاء الاصطناعي التي تُستخدم في اتخاذ القرار.
- القاضي هو “المُوقّع الرقمي” على القرار حتى إن استعان بنظام ذكي.
- تُوثّق كل خطوة رقمية عبر سجلات تدخّل (Audit Logs).
- في حال وقوع خطأ آلي مؤثر، يُرفع تقرير مساءلة مشتركة بين القاضي والفني.
القاعدة السادسة: الكفاءة التقنية المهنية
المعرفة التقنية أصبحت جزءًا من الكفاءة القضائية، وليست ترفًا معرفيًا.
- يجب على القاضي إتمام دورات إلزامية في “التحكيم السيبراني” و“الأدلة الرقمية”.
- يُحدّث سجل القضاة بصفة سنوية بمدى كفاءتهم التقنية.
- يشمل التدريب فهم أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي، الأتمتة القانونية، وأنظمة إدارة القضايا الذكية.
القاعدة السابعة: الأمن السيبراني القضائي
القاضي حارس العدالة، وحارس البيانات القضائية كذلك.
- يمتنع القاضي عن استخدام أي منصة أو بريد إلكتروني غير رسمي في المراسلات القضائية.
- تُخضع الأجهزة القضائية للفحص الأمني الدوري (Pen Testing).
- في حال حدوث خرق، يتعين على القاضي التبليغ الفوري للمركز القضائي للأزمات الرقمية (JDCC).
القاعدة الثامنة: النزاهة الفكرية للذكاء الاصطناعي
يجب ألا يستند القاضي إلى محتوى مولّد بالذكاء الاصطناعي ما لم يتحقق من دقته ومصدره القانوني.
- يُحظر الاستناد إلى مسودات أو آراء قانونية تم توليدها دون مراجعة علمية بشرية.
- يُلزم القاضي بتوثيق أي مصدر ذكاء اصطناعي تم الاستعانة به في التسبيب.
- تُدرج علامة “AI-Assisted Draft” في الوثائق التي استخدمت فيها أدوات الذكاء الاصطناعي.
رابعًا: آليات الرقابة والتطبيق
| الأداة | الوظيفة | الجهة المشرفة |
| التقييم الأخلاقي السنوي للقضاة الرقميين | مراجعة التزام القضاة بالمدونة الأخلاقية. | وحدة التفتيش القضائي الرقمي. |
| لجنة الأخلاقيات القضائية الذكية | تلقي الشكاوى المتعلقة بانتهاكات السلوك الرقمي. | المجلس الأعلى للقضاء. |
| نظام الإنذار الأخلاقي المبكر (Ethical Alert System) | يكتشف مؤشرات الانحراف عن السلوك القضائي الرقمي. | مركز الأزمات القضائية JDCC. |
خامسًا: النموذج العربي المقترح – “القاضي الذكي المستقل”
يرتكز هذا النموذج على ثلاثة أبعاد تكاملية:
- الوعي التقني – فهم البنية التكنولوجية للذكاء الاصطناعي في القضاء.
- الاستقلال الأخلاقي – ممارسة الرقابة الفكرية على الأنظمة الرقمية دون التبعية لها.
- المسؤولية التشاركية – توزيع واضح للمساءلة بين الإنسان والآلة، مع بقاء القرار بيد القاضي.
سادسًا: الخاتمة
تمثل هذه المدونة حجر الأساس في بناء منظومة عدالة رقمية مسؤولة، تحافظ على إنسانية القضاء وتعيد تعريف مهنة القاضي في عصر الخوارزميات.
فالاستقلال لم يعد مجرد موقع مؤسسي، بل مهارة معرفية وأخلاقية تُمارس داخل بيئة تقنية معقدة.
إن القاضي الذكي المستقل هو الذي يوظّف الذكاء الاصطناعي كعدسة للفهم لا كعكازٍ للقرار، ويجعل من التقنية خادمةً للعدالة لا متحكمة فيها.
المراجع :
- CEPEJ. (2022). European Ethical Charter on the Use of Artificial Intelligence in Judicial Systems. Council of Europe.
- OECD. (2022). Principles on AI and the Rule of Law. OECD Publishing.
- UNESCO. (2023). Recommendation on the Ethics of Artificial Intelligence. Paris: UNESCO.
- NIST. (2023). AI Risk Management Framework (RMF 1.0). U.S. Department of Commerce.
- Wiewiórowski, W. (2024). Judicial Independence and AI Ethics: Safeguarding Human Oversight. European Data Protection Journal, 5(1), 33–51.
- European Commission. (2024). Artificial Intelligence Act (EU Regulation 2024/1689). Official Journal of the EU.
- Al-Subaie, M. (2023). Cybersecurity Governance in Smart Justice Systems: An Arab Perspective. Arab Law and Technology Review, 2(3), 45–68.
- Reiling, D. (2025). Digital Ethics in AI Courts: European and Global Developments. International Journal for Court Administration, 16(2), 77–99.
- UNODC. (2023). Guidelines on the Use of AI in Criminal Justice Systems. Vienna: United Nations Office on Drugs and Crime.
- Abou El-Magd, N. (2024). Legal Responsibility and Algorithmic Decision-Making in Arab Judiciary. Journal of Law, Technology & Society, 8(4), 112–134.*

د. أمل فوزي أحمد
باحثة وأكاديمية متخصصة في القانون الرقمي، الأمن السيبراني، والملكية الفكرية ، ريادة الاعمال .، حاصلة على درجة الدكتوراه في القانون – جامعة عين شمس202، نشرت 12 كتابًا علميًا محكمًا وأكثر من 40 بحثًا في مجلات ومؤتمرات دولية مرموقة. تمتع بخبرة أكاديمية وإدارية كباحثة، محررة علمية، ومدربة معتمدة، وتسعى للإسهام في المشاريع البحثية الرائدة بمجال القانون ،والتكنولوجيا ،والامن السيبراني ،والفنون الابداعية.
المؤهلات الأكاديمية
- دكتوراه في القانون – جامعة عين شمس – 2021.
- ماجستير في القانون – جامعة عين شمس – 2015.
- ليسانس حقوق – جامعة حلوان – 2007.
- دبلومات متخصصة في القانون الخاص، التحكيم، الملكية الفكرية، الدراسات القانونية 2014–2020.
- باحثة بدبلوم الأمن السيبراني – جامعة حلوان – 2024/2025.
الخبرات البحثية والأكاديمية
- رئيس وحدة تكنولوجيا المعلومات – كلية التربية الفنية – جامعة حلوان.
- عضو لجان التطوير، التدريب، وحماية الملكية الفكرية – جامعة حلوان.
- رئيس تحرير مجلة الضاد الدولية للتكنولوجيا وعلوم المستقبل – لندن.
- عضو هيئة تحرير مجلة المؤتمرات الدولية – برلين.
- مؤلفة 12 كتابًا علميًا منشورًا بالمكتبة الوطنية الألمانية.
- نشرت أكثر من 40 بحثًا في مجلات ودوريات دولية محكمة.
الجوائز
- جائزة الموظف المثالي – جامعة حلوان – 2020/2021.
المهارات
- الأمن السيبراني – التحول الرقمي – إدارة الأزمات – البحث العلمي – النشر الدولي.
اللغات:
- العربية (اللغة الأم).
- الإنجليزية (متقدم – ترجمة قانونية).
- الفرنسية (مستوى متوسط).
- الحاسوب: MOS, ICDL, IC3 أدوات الذكاء الاصطناعي والتقنيات الرقمية.
![]()

