البحث العلمي والذكاء الاصطناعي
بين عراقة الغواص وسرعة الطيار
أستاذة اللغة العربية: هويدا مصطفى (لبنان)
مقدمة: اجتياح تكنولوجي لعصارة الفكر
البحث العلميّ هو عصارة فكر، ونتيجة تحليل، وخلاصة درس، يسلك فيها الباحث طريقًا علميًّا ومنهجًا واضحًا، متكئًا خلال ذلك على عكّازات تعينه في مسيره وتثبّت قدميه، ألا وهي المصادر والمراجع والدراسات السابقة. ولكنّ ما نشهده اليوم من طفرة تكنولوجيّة واجتياح للذكاء الاصطناعيّ الذي أرخى بوشاحه على ميادين العلم، جعل للبحث العلميّ نصيبًا لا باس به من هذا الاجتياح.
الذكاء الاصطناعي في خدمة البحث الأدبي
من هنا، رأى البعض أنّ للذكاء الاصطناعيّ فضلًا كبيرًا على البحث العلمي؛ فثمّة الكثير من التطبيقات التي تسخّر خدماتها للباحث، لتشمل البحث عن المراجع، والبيانات المحلّلة، والدراسات السابقة الجاهزة، والنظريّات اللازمة والآراء المختصرة، فتأتي مفصّلة على قياس هذا البحث تفصيلًا.
ومن هذه التطبيقات التي تعمل على خدمة البحث العلمي والمتخصّصة في الأدب العربي:
-
منصّة المكتبة الشاملة: أضخم محرّك بحث في بطون كتب التراث والأدب العربي، تتيح البحث بالكلمة وفحص الأسانيد والنصوص.
-
الباحث العلمي من غوغل (Google Scholar): الذي يصل إلى الأوراق البحثية الحديثة.
-
أدوات تنظيم وتلخيص أبحاث الأدب: مثل Zotero الذي يوثّق المصادر العربية، وChatGPT الذي ترفع إليه كتابًا أو بحثًا أدبيًّا وتطلب منه تلخيص فصول معيّنة واستخراج شواهد شعريّة محدّدة، وChatDOC الذي يلخّص المقالات الطويلة ويناقش الأوراق البحثيّة، وPerplexity AI الذي يجيب عن الأسئلة البحثيّة مع إرفاق المصادر الأصلية، وغيرها من التطبيقات التي تشرح النصوص وتحلّل الأوراق العلميّة المعقّدة.
معاناة الأمس مقابل سرعة اليوم
قديمًا، قبل ظهور الذكاء الاصطناعي، كان على الباحث أن يقرأ ما لا يقِلّ عن ثلاثين مرجعًا لبحث يبلغ عدد صفحاته تسعين صفحة (رسالة ماجستير)، وكانت هذه المراجع على مختلف تخصصاتها: الأدبيّة، والنفسيّة، والعلميّة، والاجتماعيّة… تقدِّم اليسير ممّا يلزم الباحث.
فكان عليه قراءة مرجع كامل ليخرج بجملة أو نظريّة لازمة لبحثه، أمّا سائر ما في بطون هذه الكتب فلا جدوى منها بالنسبة إلى موضوع البحث، ممّا يرهق الباحث ويستنزف وقته ويهدره.
بين الباحث التقليدي والباحث الرقمي: ملامح التغيير
في المقابل، يرى البعض الآخر أنّ الذكاء الاصطناعيّ أثَّر سلبًا على الباحث؛ فصحيح أنه وفَّر وقته وجهده، ولكنه حرمه من التعمُّق بالثقافة والإدغال بالبحث. فليس الباحث القارئ لأكثر من ثلاثين مرجعًا كاملًا ليخرج بنظرية تدعم بحثه، كالباحث الذي يقدِّم له الذكاء الاصطناعي المعلومة جاهزة معلّبة من دون جهد أو عناء؛ فالأوّل حصّل ثقافة واسعة بفضل القراءات الكثيرة، في حين حُرِم الثاني من هذه النعمة وبقي باحثًا مسطّح الفكر، فقير الثقافة، يملك معلومات محصورة بإطار بحثه.
ومن المقارنة بين الباحث التقليدي والباحث المعتمد على الذكاء الاصطناعي:
-
في البحث عن المعلومة: يلجأ الأول إلى مصادر عديدة يفحصها ويقيّمها، بينما يعتمد الثاني على مخرج واحد جاهز ومباشر.
-
في تحليل البيانات: يمرّ الباحث التقليدي بمراحل الشكّ والتحقّق والمقارنة، في حين يقبل الباحث المعتمد على الذكاء الاصطناعي النتائج النهائيّة كحقائق مسلّم بها.
-
في صناعة القرار: يعتمد الأول على تقييمه الشخصي للأدلّة، بينما يتتبّع الثاني توصيات الخوارزميات بشكل أعمى.
إذًا، فنحن اليوم أمام باحثين بارعين باختصاصاتهم، مُثريّين بتخصصهم، فقراء بالثقافة العامّة.
خاتمة: رحلة الطيار والغواص
وهكذا، فإنّ الذكاء الاصطناعي لم يلغِ دور الباحث، وإنّما غيَّر ملامح رحلته؛ فقد كان بالأمس غواصًا في بحار الكتب، يغوص طويلًا ليخرج لؤلؤة فكره، وأصبح اليوم طيارًا يحلق فوق المكتبات يلتقط الثمرة من دون أن يذوق طعم الغرس. ولكن، إن المستقبل ليس للباحث التقليدي وحده، ولا للباحث الرقمي وحده، بل للباحث الذي يعرف كيف يزاوج بينهما.
يبقى لنا سؤال: إذا كانت الآلة ستمنحنا الإجابات، فمن الذي سيمنحنا الأسئلة؟

أ. هويدا مصطفى (لبنان)
أعتذر عن ذلك. إليك الصياغة الاحترافية الملتزمة حصراً بالمعلومات التي أرسلتها دون أي إضافات:
الأستاذة هويدا مصطفى (لبنان)
أستاذة في التعليم الثانوي، وباحثة أكاديمية حائزة على درجة الماجستير في اللغة العربية وآدابها. تجمع بين العمل التربوي والشغف الأدبي، حيث تنشط كاتبة ومدققة لغوية متخصصة في مراجعة النصوص وضبطها.
لها حضور في مشهد النقد الأدبي من خلال تقديم مقاربات وقراءات تحليلية معمقة لعدد من الروايات والمدونات السردية المختلفة، ولهَا عدّة مقالات في مجلة الضاد ومجلة منهجيات. وهي مدربة في جمعية نفضة الاجتماعية اللبنانية.
![]()

