التوازن النفسي في زمن الضغوط: كيف نصنع لأنفسنا مساحة من الطمأنينة؟ بقلم أ. نسرين كزبور – لبنان

التوازن النفسي في زمن الضغوط: كيف نصنع لأنفسنا مساحة من الطمأنينة؟

بقلم أ. نسرين كزبور – لبنان

العناية بالنفس ليست رفاهية، بل هي الخطوة الأولى لنتمكّن من العطاء للآخرين.”

في عالمنا المعاصر تتسارع وتيرة الحياة بشكل كبير، وتتعدّد المسؤوليّات والضغوط التي نواجهها يوميًا في المنزل والعمل والمدرسة. وبينما يسعى الكثيرون إلى تلبية احتياجات الآخرين وتحقيق الإنجازات المختلفة، ينسى بعضهم أنّ العناية بالنفس ليست رفاهيّة، بل ضرورة أساسية للحفاظ على الصحة النفسية والجسدية. من هنا، تبرز أهمية الرعاية الذاتية وإدارة الضغوط النفسية بوصفهما مهارتين ضروريّتين لتحقيق التوازن والاستقرار في الحياة.

لنتخيل معلمة تبدأ يومها مبكرًا وهي تحمل العديد من المسؤوليات. استيقظت متأخرة، ونسيت بعض متطلبات الحصة، ثم واجهت ازدحامًا مروريًا أدّى إلى تأخّرها عن المدرسة. وعندما وصلت كانت تشعر بالتوتّر والإرهاق، ممّا انعكس على تفاعلها مع المتعلّمين وعلى قدرتها على التركيز في أثناء التدريس. لكن عندما بدأت بتطبيق بعض استراتيجيات الرعاية الذاتية، مثل تنظيم وقتها، والحصول على قسط كافٍ من النوم، وممارسة تمارين التنفس العميق، لاحظت تحسنًا واضحًا في حالتها النفسية وأدائها المهني. توضح هذه القصة البسيطة كيف يمكن للضغوط اليومية أن تؤثر في حياتنا، وكيف يمكن للرعاية الذاتية أن تساعدنا على استعادة التوازن النفسي.

يعتقد البعض أنّ الرعاية الذاتية تعني الأنانية أو الاهتمام بالنفس على حساب الآخرين، إلا أنّ المفهوم الحقيقي للرعاية الذاتيّة يختلف تمامًا عن ذلك. فالرعاية الذاتية تعني تخصيص الوقت والجهد للحفاظ على الصحة الجسدية والنفسية والعاطفية، مما يجعل الفرد أكثر قدرة على العطاء والتفاعل الإيجابي مع من حوله. وتشير المادة التدريبية إلى أن الأشخاص الذين يهملون احتياجاتهم الشخصية قد يكونون أكثر عرضة للإرهاق والاحتراق النفسي، الأمر الذي يؤثر في جودة أدائهم وعلاقاتهم بالآخرين.

ومن أهمّ التحدّيات التي تواجه الإنسان اليوم الضغوط النفسيّة المتراكمة. فالضغوط جزء طبيعي من الحياة، لكنّها قد تتحوَّل إلى مشكلة عندما تتجاوز قدرة الفرد على التعامل معها. وقد تظهر الضغوط النفسية على شكل قلق أو غضب أو توتر أو صعوبات في التركيز واتّخاذ القرار. لذلك، فإنّ امتلاك مهارات فعاّلة لإدارة الضغوط يعدّ عنصرًا أساسيًا للحفاظ على الصحّة النفسية والشعور بالراحة والطمأنينة.

ومن المهارات المهمة التي تم التطرق إليها في “مساق تعزيز التوازن النفسي: مهارات للتعامل مع الأعباء اليومية” المقدم عبر منصة أكاديمية الملكة رانيا، القدرة على التحكم في ردود الأفعال. فالأحداث السلبيّة والمواقف المزعجة قد تحدث للجميع، لكنّ الفرق الحقيقي يكمن في طريقة استجابتنا لها. وهنا تظهر أهميّة قاعدة (90/10) التي توضح أن جزءًا صغيرًا من حياتنا يتأثر بالأحداث نفسها، بينما يتأثر الجزء الأكبر بطريقة تعاملنا مع تلك الأحداث. فعندما يواجه الشخص موقفًا مزعجًا، فإنّ التوقف للحظات وأخذ نفس عميق والتفكير بهدوء قد يمنع تصاعد التوتّر ويساعد على اتّخاذ قرارات أكثر حكمة. وهذا ما يسهم في الحفاظ على استقرار اليوم بأكمله بدل السماح لموقف واحد بإفساده.

كما أنّ التنفس العميق يعد من أسرع الوسائل لتخفيف الضغط النفسي. فعندما يركز الإنسان على أنفاسه ويبطئ عملية التنفس، يبدأ الجسم بإرسال إشارات تهدئة إلى الدماغ، ممّا يساعد على خفض التوتّر وتحقيق الاسترخاء. وإلى جانب التنفس العميق، يمكن للابتسام أو الضحك أو تحريك الكتفين أو الاستماع إلى موسيقى هادئة أن يسهم في تحسين المزاج خلال دقائق قليلة. وتكمن أهمية هذه الاستراتيجيات في سهولة تطبيقها في أي وقت ومكان تقريبًا.

ولا تقتصر الرعاية الذاتية على التعامل مع المواقف الطارئة فقط، بل تشمل مجموعة من العادات اليومية الصحية. ومن أبرزها الحصول على نوم كافٍ، وشرب كميات مناسبة من الماء، وتناول وجبات متوازنة، وممارسة النشاط البدني بانتظام. فهذه الممارسات لا تحسن الصحة الجسدية فقط، وإنما تعزز الاستقرار النفسي وتزيد القدرة على مواجهة التحديات اليومية بثقة ومرونة.

ومن الجوانب المهمة أيضًا تخصيص وقت للأنشطة التي تمنح الإنسان الشعور بالمتعة والهدوء. فقد يكون ذلك من خلال القراءة، أو الرسم، أو التأمل، أو المشي، أو كتابة الخواطر، أو ممارسة الهوايات المفضلة. إنّ هذه الأنشطة تساعد العقل على الاستراحة من الضغوط اليومية وتمنح الفرد فرصة لإعادة شحن طاقته النفسية والعاطفية. كما أنّ تدوين الأمور التي يشعر الإنسان بالامتنان لوجودها في حياته يعد من الممارسات التي تعزز الرضا والسعادة.

ومن الدروس المهمّة التي تعلّمناها كذلك أهمية وضع حدود واضحة لقدراتنا ووقتنا. فكثيرًا ما يشعر الأشخاص بالإجهاد لأنهم يحاولون إرضاء الجميع أو تحمل مسؤوليات تفوق طاقتهم. لذلك فإن تعلم قول “لا” لبعض الطلبات، وتنظيم الأولويات، ووضع توقعات واقعية لأنفسنا، يساعد في تقليل الضغوط ويحافظ على التوازن بين متطلّبات الحياة المختلفة. كما أنّ الحديث الإيجابي مع الذات يعزز الثقة بالنفس ويحد من المشاعر السلبية المرتبطة بالفشل أو التقصير. وهذا يتوافق مع ما قالته كريستين(Kristin Neff) نيفف “التعاطف مع الذات لا يعني تجاهل أخطائنا، بل يعني أن نتعامل مع أنفسنا باللطف نفسه الذي نقدمه لشخص نهتم لأمره.”

وفي مرحلة المراهقة تحديدًا، تظهر الحاجة إلى تطبيق هذه المبادئ بشكل أكبر، سواء من قبل المراهقين أنفسهم أو من قبل أولياء الأمور والمعلمين. فالمراهقة مرحلة طبيعية مليئة بالتغيرات الجسدية والنفسية والاجتماعية، ويحتاج المراهق خلالها إلى الدعم والتفهم والحوار الإيجابي. وعندما يكتسب المراهق مهارات إدارة الانفعالات والتعامل مع الضغوط، يصبح أكثر قدرة على مواجهة التحديات وبناء علاقات صحية ومتوازنة مع الآخرين.

ومن خلال تجاربي، أدركت أنّ كثيرًا من الضغوط التي نواجهها لا تنتج فقط عن كثرة المسؤوليات، بل عن إهمال احتياجاتنا النفسية والجسدية. كما أصبحت أكثر وعيًا بأهمية التوقف للحظات عند الشعور بالتوتّر، وممارسة بعض استراتيجيات الرعاية الذاتية البسيطة التي تساعد على استعادة الهدوء والتوازن. وقد غيّر هذا الفهم نظرتي إلى مفهوم العناية بالنفس، فلم أعد أراه رفاهية، بل ضرورة تساعد الإنسان على الاستمرار والعطاء بصورة أفضل.

وفي الختام، يمكن القول إنّ الرعاية الذاتية وإدارة الضغوط النفسية ليستا مهارتين مؤقتتين، بل أسلوب حياة يساعد الإنسان على تحقيق التوازن والصحّة النفسية والنجاح في مختلف جوانب حياته. فكلّما ازداد وعي الفرد بمشاعره واحتياجاته، وحرص على تطبيق الممارسات الصحية والإيجابيّة، أصبح أكثر قدرة على مواجهة التحديات والاستمتاع بحياة أكثر هدوءًا وسعادة. إنّ العناية بالنفس ليست أنانيّة، بل استثمار حقيقي في جودة الحياة وفي القدرة على العطاء للذّات وللآخرين.

وفي النهاية، أدركت أنّ المحافظة على التوازن النفسيّ ليست مهمة تُنجز مرّة واحدة، بل هي ممارسة يومية تحتاج إلى وعي واهتمام مستمرين. فكل خطوة صغيرة نقوم بها للعناية بأنفسنا، مهما بدت بسيطة، يمكن أن تحدث فرقًا كبيرًا في قدرتنا على مواجهة ضغوط الحياة والاستمتاع بأيامنا بثقة وطمأنينة. فالتوازن النفسي ليس غياب العواصف من حياتنا، بل قدرتنا على الإبحار وسطها بثبات وطمأنينة.

المراجع

-أكاديمية الملكة رانيا لتدريب المعلمين. (د.ت.). الرعاية الذاتية للمعلمين (مادة تدريبية).

-Egan, B. (2020, July 13). One-minute strategies to manage stress. Alive Counselling.

https://alivecounselling.com/counselling-resources/one-minute-strategies-to-manage-stress

-University of Michigan, University Health Service. (n.d.). One-minute stress strategies.

https://uhs.umich.edu/oneminute

الأستاذة نسرين كزبور – لبنان

طالبة دكتوراه
– باحثة ومدربة تربوية واستاذة لمادة الرياضيات منذ العام 2003 في التعليم الثانوي الرسمي.
– حاصلة على درجة ماجستير في العلوم التربوية-جامعة الجنان. ودبلوم في التحول الرقمي وتطبيقات الذكاء الاصطناعي-جامعة الاسطرلاب الدولية.وشهادة كفاءة تعليم ثانوي-كلية التربية-الجامعة اللبنانية. ودبلوم صعوبات تعلم من جامعة عين شمس ودبلوم في اللغة الفرنسية delf B1+B2 من المركز الثقافي الفرنسي-لبنان.وجدارة ماتريز في الرياضيات-كلية العلوم-الجامعة اللبنانية.
– فائزة بجائزة تصويت الجمهور-مسابقة المقال-أوسكار مبدعي العرب وأفريقيا.
– منظمة لمؤتمرات مركز الضاد.
– باحثة تربوية ولديها العديد من الأوراق البحثية المنشورة في مجلة الضاد الدولية للعلوم الإنسانية والاجتماعية.
– مدربة معتمدة من جامعة عين شمس
– أخصائية في الإحصاء.
– لديها العديد من المنشورات في موقع منهجيات(قسم دردشة-قسم مدونة-مجلة منهجيات ).
– شاركت في مشاريع تربوية متعددة تابعة لمنظمة اليونسف من خلال جمعية الفيحاء-لبنان.
-منتسبة إلى مركز الضاد الدولي للتدقيق والتصويب والجمعية اللبنانية للتجديد التربوي والثقافي الخيرية.

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *